السيد علي عاشور
44
موسوعة أهل البيت ( ع )
فأطلق اللّه تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجّتها ، فلمّا ظهر اشتدّت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكبّ الجبابرة والطواغيت عليهم حتّى كان من أمر المسيح ما قد أخبر اللّه تعالى به . واستتر شمعون بن حمون والشيعة ، ثمّ أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجّر اللّه لهم فيها العيون العذبة ، وأخرج لهم من كل الثمرات وجعل لهم فيها الماشية ، وبعث إليهم سمكة تدعى القمل لا لحم لها ولا عظم وإنّما هي جلد ودم فخرجت من البحر ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى النحل أن يركبها فركبها فأتت بالنحل إلى تلك الجزيرة ، ونهض النحل وتعلّق بالشجر فعرس وبنى وكثر العسل ، ولم يكونوا يفقدون من أخبار المسيح شيئا « 1 » . وروي أنّ له غيبات يسيح فيها في الأرض فلا يعرف قومه وشيعته خبره ، ثمّ ظهر فأوحى إلى شمعون بن حمون ، فلمّا مضى شمعون غاب الحجج بعده واشتدّ الطلب وعظمت البلوى ودرس الدين وأميتت الفروض والسنن ، وذهب الناس يمينا وشمالا لا يعرفون أيّا من أي ، فكانت الغيبة مائتين وخمسين سنة « 2 » . وعن الصادق عليه السّلام : كان بين عيسى وبين محمّد خمسمائة عام ، منها مائتان وخمسون عاما ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر . قيل : فما كانوا ؟ قال : كانوا متمسّكين بدين عيسى « 3 » . وأمّا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فغيبته المشهورة كانت في الغار وكل المسلمين أطبقوا على أنّ غيبته في الغار إنّما كانت تقية عن المشركين وخوفا على نفسه ، حتّى أنّه لو لم يذهب إلى الغار لقتلوه ؛ لأنّهم مهّدوا له القتل وسوّل لهم الشيطان وعلّمهم لطائف الحيل في قتله ، وأخذ معه أبا بكر خوفا منه أيضا لئلّا يدلّ الناس عليه كما قالوه في كتبهم ، واستشهد العامّة بهذا بأنّه فوق الصحابة ، وجوابه هو الذي أجاب به إمام زماننا في سؤالات سعد بن عبد اللّه وذكرناه بعيد هذا في الفرع التاسع من الغصن الخامس في عداد التوقيعات . قال في إلزام الناصب : الثامن ممّن غاب سليمان بن داود . والتاسع آصف بن برخيا غاب عن قومه مدّة طال أمدها ثمّ رجع إليهم . والعاشر دانيال . والحادي عشر عزيز . والثاني عشر مسيح « 4 » . وغيبة نبيّنا ثلاث سنين في شعب أبي طالب حين حاصرت قريش بني هاشم ، وله غيبة أخرى قبلها ، بمعنى اختفائه بالدعوة خمس سنين وذلك بعد البعثة حتّى أنزل اللّه عزّ وجلّ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ « 5 » وله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غيبة أخرى في الغار .
--> ( 1 ) بطوله في كمال الدين : 159 ح 17 ، وبحار الأنوار : 13 / 449 . ( 2 ) كمال الدين : 160 . ( 3 ) كمال الدين : 161 . ( 4 ) راجع لذلك كمال الدين : 136 باب 7 ح 17 وما بعده . ( 5 ) سورة الحجر ، الآية : 94 .